ابن كثير

227

البداية والنهاية

قالت : لا ! قال : فاكتبوه في الذرية . فقالت زوجته فاطمة : أتفعل هذا به وقد شج ابنك ؟ فعل الله به وفعل ، المرة الأخرى يشج ابنك ثانية . فقال : ويحك ، إنه يتيم وقد أفزعتموه . وقال مالك بن دينار : يقولون مالك زاهد ، أي زهد عندي ؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز ، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها جملة . قالوا : ولم يكن له سوى قميص واحد فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس ، وقد وقف مرة على راهب فقال له : ويحك عظني ، فقال له : عليك بقول الشاعر : - تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد قال : وكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل . قالوا : ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما أو فلوسا يشتري له بها عنبا ، فلم يجد عندها شيئا ، فقالت له : أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبا ؟ فقال : هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكل غدا في نار جهنم . قالوا : وكان سراج بيته على ثلاث قصبات في رأسهن طين ، قالوا : وبعث يوما غلامه ليشوي له لحمة فجاءه بها سريعا مشوية ، فقال : أين شويتها ؟ قال : في المطبخ ، فقال : في مطبخ المسلمين ؟ قال : نعم . فقال : كلها فإني لم أرزقها ، هي رزقك . وسخنوا له الماء في المطبخ العام فرد بدل ذلك بدرهم حطبا . وقالت زوجته : ما جامع ولا احتلم وهو خليفة . قالوا : وبلغ عمر بن عبد العزيز عن أبي سلام الأسود أنه يحدث عن ثوبان بحديث الحوض فبعث إليه فأحضره على البريد وقال له ، كالمتوجع له : يا أبا سلام ما أردنا المشقة عليه ، ولكن أردت أن تشافهني بالحديث مشافهة ، فقال : سمعت ثوبان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأكوابه عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين ، الشعث رؤوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المتنعمات ، ولا تفتح لهم السدد " . فقال عمر : لكني نكحت المتنعمات ، فاطمة بنت عبد الملك ، فلا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث ، ولا ألقي ثوبي حتى يتسخ . قالوا : وكان له سراج يكتب عليه حوائجه ، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين ، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا . وكان يقرأ في الصحف كل يوم أول النهار ، ولا يطيل القراءة ، وكان له ثلاثمائة شرطي ، وثلاثمائة حرسي ، وأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فاشتمه ثم رده مع الرسول ، وقال له : قل له قد بلغت محلها ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، وهذا رجل من أهل بيتك ، فقال : إن الهدية كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية ، فأما نحن فهي لنا رشوة . قالوا : وكان يوسع على عماله في النفقة ، يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار ، ومائتي دينار ، وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لاشغال المسلمين ، فقالوا له : لو أنفقت على عيالك كما تنفق على عمالك ؟ فقال : لا أمنعهم حقا لهم ، ولا أعطيهم حق غيرهم . وكان أهله قد بقوا في جهد عظيم فاعتذر بأن معهم سلفا كثيرا من قبل ذلك ، وقال يوما لرجل من ولد علي : إني